صديق الحسيني القنوجي البخاري
100
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ الجملة حالية أي قالوا ما ذكر ، والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن القوة والغلبة للّه وحده ، ولمن أفاضها عليه من رسله ، وصالحي عباده ، وعزة اللّه قهره وغلبته لأعدائه ، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها ، وعزة المؤمنين نصر اللّه إياهم على أعدائهم ، عن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ؟ وعن الحسن بن علي أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيها ، قال : ليس بتية ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية اللهم كما جعلت العزة للمؤمنين على المنافقين ، فاجعل العزة للعادلين من عبادك ، وأنزل الذلة على الجائرين الظالمين . وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ بما فيه النفع فيفعلونه ، وبما فيه الضر فيجتنبونه ، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم ، ومزيد حيرتهم ، والطبع على قلوبهم ، ختم هذه الآية بلا يعلمون ، وما قبلها بلا يفقهون . لأن الأول متصل بقوله : وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فطنة وفقه ، فناسب نفي الفقه عنهم ، والثاني متصل بقوله : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الخ وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم فناسب نفي العلم عنهم ، فالمعنى لا يعلمون أن اللّه معز أولياءه ومذل أعداءه ، قال الكرخي : والحاصل أنه لما أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة أثبت اللّه تعالى في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم ، وهو اللّه ورسوله والمؤمنون . وفي شرح جمع الجوامع : ومن قوادح العلة القول بالموجب بفتح الجيم ، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع بأن يظهر المعترض عدم استلزام الدليل لمحل النزاع ، وشاهده : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ في جواب لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ولما ذكر سبحانه قبائح المنافقين ، رجع إلى خطاب المؤمنين مرغبا لهم في ذكره فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أي لا تشغلكم أَمْوالُكُمْ بالتصرف فيها ، والسعي في تدبير أمرها بالنماء ، وطلب النتاج ، والاهتمام بها وَلا أَوْلادُكُمْ وسروركم بهم وشفقتكم عليهم ، والقيام بمؤنتهم ، حذرهم عن التشبه بالمنافقين في الاغترار عن أخلاق الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ والمراد بالذكر فرائض الإسلام قاله الحسن ، وقال الضحاك : الصلوات الخمس ، وقيل : قراءة القرآن ، وقيل : الحج والزكاة ، وقيل : إدامة الذكر ، وقيل : هو خطاب للمنافقين ووصفهم بالإيمان لكونهم آمنوا ظاهرا ، والأول أولى . وعن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الآية قال : « هم عباد من أمتي الصالحون منهم ، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، وعن الصلوات الخمس المفروضة » أخرجه ابن مردويه .